السيد عباس علي الموسوي
274
شرح نهج البلاغة
وأي بيت لم تدخله التعاسة من الذي لم يفقد حبيبا عزيزا على قلبه والدا تارة وولدا أخرى وزوجا ثم أخا وهكذا من منا لم يسمع بعزيز قوم ذلّ ، أو غني افتقر أو عالم ارتد ، أو جاهل أبي أن يتعلم من منا لم يمر عليه شريط الأحداث وهو ينقل إليه مآسي الزمن ومصائبه من علة في بدنه أو نقص في دينه أو اضمحلال في ثروته أو أذية من أقاربه إن هذا القلب البشري إذا أدرك أن الدنيا لا تصفو مشاربها ، ففي كل مطلع شمس ومغربها فواجع ومصائب بل في كل دقيقة بل ثانية أكثر من مصيبة وفاجعة ، يعلم أنه لا بد من الإعداد لتحمل كل ما يطرأ عليه ولا بد من الاستعداد والصبر والاعتصام باللهّ كي تهون تلك الرزايا ويخف وقع تلك المصائب . . . وحذره صولة الدهر وفحش تقلب الليالي والأيام : وأي إنسان يستطيع أن يتحمل صولة الدهر إذا تنكب عن هذا الإنسان أو تنمر عليه فإن محاسنه يحولها إلى مساوى ء ، وفضائله إلى نقائص ، وجماله إلى قبح ، وأصدقاءه إلى أعداء ، يتحول نهاره ليلا حالك السواد ، وماؤه العذب الفرات إلى حميم آسن مستكره ، تأتيه الابتلاءات من كل جانب وتزدحم عليه العلل من كل صوب حتى يروح مخاطبا كل نازلة منها كما خاطبها المتنبي بقوله : أبنت الدهر عندي كل بنت * فكيف وصلت أنت من الزحام أو بقوله في تصوير المصائب وكثرتها : فصرت إذا أصابتني سهام * تكسرت النصال على النصال ( واعرض عليه أخبار الماضين ، وذكره بما أصاب من كان قبلك من الأولين ، وسر في ديارهم وآثارهم ، فانظر فيما فعلوا وعما انتقلوا ، وأين حلّوا ونزلوا ، فإنك تجدهم قد انتقلوا عن الأحبة ، وحلوا ديار الغربة ) واعرض عليه أخبار الماضين : من الأمم والأشخاص كقوم هود وصالح ويونس وموسى أو فرعون وهامان وقارون والسامري ، فإن في مراجعة أحوالهم والوقوف على أخبارهم عبرا لمن اعتبر وموعظة لمن اتعظ ، إن في الطغيان الفردي ما يردي الفرد ويقتله ، فمن تجاوز حدوده البشرية وادعى الألوهية كما فعل فرعون فإن مصيره كمصيره لا محالة ، وكذلك من جمع المال وادعى أنه حصل عليه بما عنده من العلم وتبجح وبطر فلا محالة أن يناله الخسف والضياع كما نال قارون والسائرين على خطاه . . . إن في عرض سجلات الماضين والوقوف على تاريخهم ما يجعل عند المرء رؤية شخصية بتحسين واقعه والارتفاع عن الحضيض إلى التكامل والسمو . . . وكما أن الطغيان الفردي يردي بصاحبه ، فكذلك الطغيان الاجتماعي والانحراف العام ، فإنه يحيق بالجماعة الانحلال والضياع المؤدي إلى نكبة الطوفان كما